باغتته دعوتهم ذاك المساء· التحق بهم، رغم انشغاله، في حانة الحي الأروبي القديم· ابتهجوا لقدومه، أسرعوا في طلب جعتين باردتين، شرع توا في عبهما· كانت الحانة على عادتها مليئة بروادها، ضاجة بأصوات متنادية، صادحة بمزيج ضحك رائق، غناء متقطع، تصفيق بهيج، سجال حاد؛ موارة بقعود لجب، وقوف متمايل وراقص، مرور دائب، تحايا مبثوتة من أنحائها الأربع تترسل أحيانا جعات هدايا تمتن صداقات قديمة أو ترسي أخرى ناشئة، طواف بائعي السجائر بالتقسيط، الفول المطهي، الكاوكاو، اللوز المملح، توسلات متسول خادع رقابة الحارس الضخم أو تغاضى هذا عنه للطفه المستميح، تحليق البارمان حول طاولات اصطفت متدانية يضع عليها حسب طلبات عجولة، جعات مليئة، ساحبا من فوقها الفارغة، مدونا الفارق بانتباه في دماغه اليقظ· ينغمر رأسا في لج داهم، بهجته فائرة، يكرع الكؤوس مع أصدقائه، منغمرين في شتات كلام ينقلهم عفوا من السياسة إلى المرأة إلى الصداقة، يختلفون، يتفقون، يحتدون، يمزحون، يخلصون في إبداء الرأي، ينافحون عنه بحمية أو يتخلون عنه بسماحة، ينتقلون عبورا إلى حكايات لهم خفية، طمرتها أنفاقهم، يصير السكر للحظة جلال بوح، سمو إفشاء، فداحة إسرار، هل للجرح جلال ؟ لقسوة الحدث سمو؟ يتساءل· ينزع بحبور الإصغاء بهض الفداحة عما يحكى، يخدش مازحا جنوحا تسامى بالجرح، يحسر عمدا تفجعا حذر مناحته·
رويدا ينجاب عنه الصخب، صار طافيا على ثبج هادئ، أضحى تطاير الحركات إيماء خافتا، تناهى الصياح وشيشا غائما· شرعت حدقتاه تشعان بنضج السكر، تنضحان بحكمته، تدقان بنفاذ إدراكه· وسيعا، شط سخاء روحه· سالت ذكرياته دفيئة، مسح بحنو إهابها، قوامها هفهاف يلامسه سموحا حين يذكره بإيذاء طاله، أسيفا معتذرا حين يواجهه بقرافات أمضته· رهيفا، باغته الشوق إليهن، لحن له ببهر سيمائهن: طفت هي بعنفوان مثولها، تفلت رقصها، وجهها المضئ منقوعا باحمرار الشرب، باصطفاق الضحك، سلاسة حكيها عن عشاق يلاحقون صدودها دون كلل، إيذائهم إن أمعن رفضها، سطوة غضبها صونا لمناعتها· يحتار في تصديقها، ينتبه إلى حبكة الإبهار تضمه مشدوها إلى خبرتها الشسيعة، يصرفها مداورة إلى رغبته، ثم إلى رغبتها، إلى لسعات لسانها، قضمات فمها، عطره، آه! ذاك المفغوم بالتبغ، بطيب الجعة، برحيق العلك، شميم أنفاسها يلهب أطرافه، عفو احتضانها لانتصابه، لهثى تنسكب على عطشه، تستلقي إثرا إلى جانبه، تربت أليفة على انطفائه، ساكنة بعد انتفاض إلى صمت سيجارتها، رواء جعتها، هناء نومها··
يسحبه من لذاذته إيقاع صادح انبعث فجأة من خلف الكونتوار، يتسرب صاخبا إلى باطنه مثل صخب موج تلك الليلة، طغى هوجه على حمى خبطات يوقعها على صفيحة سيارة أقلتهم ثملين إلى مشارف البحر، يتلمس إيقاعا غيوانيا محمولا على صوته يحاكي، شطحا، موالا أتاه صداه من شجو راحل، يرقصون على الرمل المبتل برشاش الموج وعلى كوم العشب الغض، ثلاثتهم، منصرفين على انفراد إلى رقصهم، لا تحد انطلاقه عين رائية، أو صحو رقيب، يصدحون بملء حناجرهم، ضربات أقدامهم مكينة على الأرض، يدورون متحلقين شهقين بعصف الريح، بزخمه المالح، مدثرين بضباب لزج متكاثف، يستلقون من تعب على الرمل، يشرعون أطرافهم على خلاء المكان، براءة أرضه، وحش رقعته، ينظرون إلى السماء مسحوبة إلى منتهى بعادها، يزعقون في مدى انفصالها، وحدها تجيب هادرة سيارات تمر بسرعة الشهب على الطريق المجاورة، أو صيحاتهم ذاتها يتردد صداها بينهم··· منسابا يعود إلى هدوئه، حين يستعيده جلساؤه بظرافة من سفرته، بعرفان ينظر إلى رفقتهم، يستخفون جميعا بوجوب الاعتدال، يطلبون مزيدا من الجعات، يصخبون من جديد، يدمعون من ضحك غامر·
خفت، الآن، ضوء الحانة إشعارا بالانصراف· تباطأوا، رغما، كي يستمتعوا بهزيع السكر· تريثوا قبل إفراغ بقايا جعاتهم، إنهاء حديث شعتت نهاياته· تصله متقطعة طقطقة حاسبة، ينظر ملتفتا إلى مدبر الحانة، يطبق صاحيا على آلته، بتقتير يعد قرين الجعات مالا، يحسر، آمرا، إمداداته عن مرتادين شع واضحا سكرهم، توالى انصرافهم غمغمة مكرهة· ينهضون بدورهم، يتجهون بعد الأداء صوب باب، دفتاه قصيرتان مصطفقتان، يشرعهم على ليل ساكن، يخفضون لأيا أصواتهم، بارتباك يضبطون تمايل خطوهم، يفترقون متواعدين على انسياب قادم أمام عين حارس ليلي بدا، للعجب، فضولها حميما·
يمضي وسط ليل أحسه رحيبا، شعر بسواده حادبا على وحدته؛ بصمته يكف فضولا قد يعيده إلى سابق صحوه· ممتنا، يرنو بعينيه إلى الشارع الطويل يمضي موغلا إلى سواده الكثيف· يطالع شبابيك النوافذ مقفلة، أبواب محلات البيع مغلقة، يأسف دوما لصدود مدينته عن ليلها، انصرافها الباكر إلى سباتها· يقود خطواته متماهلة إلى شارعها الصاحي الوحيد، يأنس فيه لمرأى باعة ملابس يلمون متتائبين شتات سلعهم، يعيدون للشارع فساحته بعد أن احتلوه عنوة مساء و بعضا من ليل؛ ماسحي أحذية يلتفون في حلقات صغيرة يعدون أرباحهم القليلة أو يتبادلون بارتخاء خرقا مبتلة بالخدر؛ معدي وجبات الصوصيص المحشو بمصارين الخرفان، تتعالى أدخنة شيهم حريقا زنخا يستثير رغما شهيته الكامنة؛ مروجي أقراص موسيقية مقرصنة ملقاة عرض الطريق على أفرشة بلاستيكية، يستبطئون انصرافهم علهم يستدرجون زبناء لرخص متاعهم؛ بائعي أشرطة موسيقية مصفوفة على دكات خشبية يطوونها داخل دكاكينهم الضيقة تنبعث من إحداها أغنية ذات إيقاع راقص، شردت به مراميها، يتجه نحو البائع، يسأله مقايضا ثمنها، ينقده مترنما
il ne reste plus rien que des regrets à vendre ، كلمات Malek الأسيانة يرددها ضاحكا، فوح النبيذ رابض طي فيه لازال، يومئ البائع مبتسما، يخصم بسخاء دراهم من ثمن البيع دون أن يخطره· ينحدر متخطيا أكياس البلاستيك المتناثرة في الشارع، تطيرها هبوات الريح المتقطعة، أو تجرفها الأقدام اللعوب لأطفال يقطنون الدروب القديمة المجاورة· لا تقرفه لعجبه وساخة الشارع، يأبه لمنظرها، تدفئ قر الإسفلت، وحشته المتروكة بعد احتشاد، بقايا أسيفة لتجارة داهمة لا تعبأ قط بكنس خلفتها·
يخلف وراءه جلبة الشارع ، ينتحي طريقا جانبيا أفضى به إلى مقهى ليلي ترتاده فلول سامرة· ينضم إليهم لاحتساء قهوة مركزة يستبقي بها نسغ اندياحه· يتأمل جالسا هدأة الليل؛ أفرادا يجلسون وحيدين إلى مقاعدهم سادرين في صمت يود، باستئذان المشاطرة، استباره؛ حراسا ليليين متلفعين بمعاطفهم السميكة رؤوسهم مندسة في طواق تكاد تخفي عيونهم المتفرسة في وجوه الليل، تتراءى لهم، وحدهم، مريبة؛ باعة السجائر يحومون ترقبا لمن انقطع بهم دخان الليل؛ بعض سائقي الطاكسي يتوقفون لطلب قهوة تصحب رفيقة، تجوالهم الساهر؛ سيارة الشرطة تنتحي جانبا تقصيا لخبر يسره مخبر ليلي، أو استمهالا لإعداد قهوة تبقي انتباههم رقيبا· ينهض ماشيا تجاه بيته· يمر على حارس ال********اق قاعدا على علبة صفيحية حدس بعينه الحازرة ثمالته· أومأ إليه بتحية حرص على صحو بيانها· رد هو متفهما، يعفيه مبتسما من جهد حياده·
حين ولج غرفته، أنارها بضوء خافت، أزال معطفه، ثم قعد على حافة سريره ينزع بطيئا حذاءه، بينما عيناه مطبقتان باحتشاد وميضهما على أرض الغرفة العارية· وقف متمهلا أمام جهاز الموسيقى، وضع عليه قرصا ل Bill Evans سرعان ما بث دفيئة نغمات بيانو انثالت على سمعه نديفا هفهاها· أشرع نافذة غرفته على هواء الليل الرطيب· رسا نظره على نوافذ منازل مجاورة مازالت مضيئة، تراءت له خلاف دأبها يقظة، أشباحها مائعة مرسومة على جدران غرفها· لبث واقفا يصقل من زاويته هلامها، فيما تناهى إليه شعتا حديث تبينه دائرا حول مساوئ الجوار، وقائع حفل زواج البكر، ذكريات الأبناء طور نشوئهم· لم يلبث أن أغلق نافذته بخفوت، خشية انفراط كثافته· اندس في فراشه دون أن يرتدي ثياب نومه· غفا لحينه كي يصون الكثافة متوقدة في منامه·