قبل أمس عندما قرأت لك ما يقوله الفلك لك على أن لك احد ليالي شهريار وتساءلت من ستكون شهرزادك أجبتني ضاحكا أنها أنا وصدقت ..... فتزودت بحكايات وانتظرتك ثم انتظرتك لكنك لم تأتي فعدتي لعادتي السيئة التي انقطعت عنها منذ شهرين ليتجلى شيطاني أمامي هامسا : كقطرات ماء تنسكب من شلال البشرية المتدفق إلى هاوية العتمة والمجهول، تنسكب أعوامنا الهاربة المزبدة باستسلام مرير العجز ...فلا نحن نختار توقيت انسكابها، ولا نحن نختار أرضها، ولا سرعة سقوطها هكذا عمرنا: يوم ويوم ويوم ...لا جديد سوى القيود والحواجز التي تحدد طريقنا حتى الأشياء التي نختارها حصيلة أشياء لم نخترها: اسمنا . أسرتنا. جنسيتنا . ديننا.... ونجد قطرة من قطرات ذلك الشلال العظيم لا نستطيع أن تتململ أن تتمرد أن تختار ساعة سقوطها إلى هاوية النهاية، أن تتحقق حقيقة الدرب التي تندفع فيها أن تشق دربا آخر لنفسها... كل شيء مرسوم ومحدد وذلك الإله الصغير البائس في أعماق كل منا مهزوم أبدا ، إنه يريد أن يحقق وجوده أن يعرف ويسأل ويفهم ويفكر ويختار ويقرر، لكن السلاسل تشد الجسد إلى القطيع، ورأسه المرفوع بتحد بين النجوم عاجز عن التحليق...
ونبدأ بالتمز ـــق، يستحيل كل منا إلى حيوان خرافي ذو رأسين، كل رأس يتجه إلى ناحية معاكسة ويريد أن يركض ببقية الجسد. وتتمز ـــق الملايين من الأسئلة وصرخات الاحتجاج على شفاهنا كبقايا دم متجمد على جرح لا يشفى ... ونهرب من احتجاجات الطفل الفضولي الشاسع الطموح المقهور في أعماقنا إلى عالم الرتابة وتفاصيل الحياة اليومية العادية. وتجيء المؤسسات المحنطة المختلفة لتساعدنا وتدعم حكمة هربنا. فتكمم فمه وتعصب عينيه لأنه طفل شرير متمرد. وتحاول أن تعلمه القناعة والرضى والكف عن نطح النجوم بقرنيه الزجاجيتين....
وتمضي بنا الحياة ونحن كالأشباح على مسرحها، نلعب دورنا ثم ننطفئ إلى ركن دون أن نخلف بصمة أصبع على الستارة.