السلام عليكم ورحمة الله وبركاته :-
انطفأ … ولكن أبداً لم يمت…
بقلم : موفق عبد الرحمن اكتملت الدائرة … حين أدركت أن آن الآوان لترجل وتترك الحصان وحيداً … استسلمت أمام الموت … أو استسلم الموت أمامك … الأمر سيّان… وحتى وأنت تغادرنا لازلت تنتصب واقفاً أمامنا بجلالك المعهود تبرد الظلمة ليسطع معها قنديل فجرنا القادم بينما تنسل بهدوء إلى صمتك الأبدي، تاركاً الكلام لنور نهارنا الجديد.
غادرتنا عندما أدركت أن لم يعد للتحدي أي معنى، وأن موت أي منا لم بعد هزيمة فمت !!!
غادرتنا يا محمود يا رمزنا الشاعر، ويا شاعرنا الرمز، بعد أن تأكد لك أنه لم يعد أمامنا ثمة ما نفعله، وبعد أن أكملت رحلة اكتشاف الإنسان فينا.
جست طويلاً داخل مواطن الضعف والقوة فينا… و كشفت الحجب عن خبايا نفوسنا، وواجهت مواطن الشهوة والشراسة والجشع فينا،الموروث منها و المستحدث … ثم قاتلت على أبواب مدينتك التي ما شهدت أكثر منك انتماءً، و أنت الذي حميتها بقلمك الذي ظل شاهقاً نحو الشمس، لم يغير مساره لنصرة مسيرة إنسان هذه الأرض نحو الغد، محرضاً إيانا على مواجهة أنفسنا ، مصارعاً عنيداً ضد تقاليد التخلف دهوره وطقوسه، تفرش أمامنا طريق التحول… ولم يتعب قلبك من التبشير بضرورة التغيير.
محمود يا فينيقنا الجوال الذي تجاوز حصار الحصون والبحار، كيف تركت للموت ليصطادك غفلة، وأنت الذي تعب منك التعب، وأرهقت أفكارك المجهدة دوماً بتجديد وإحياء الفكر، كيف كان لهذه الغفلة أن تكون ونحن نحتاجك يا سيد النضج في زمن أكثر ما نفتقده فيه النضوج، وكلماتك الريح تحمل لنا ربيع الأمل والإرادة نحن المقهورين في واقعنا و الطامحين إلى الخروج منه والخروج إليه، وعليه ننتظر القادرين على الفعل ، ستظل بيننا يا رمزنا الكبير في يقظتنا وأحلامنا القادمة،و على شدو قصائدك نتطور بك ومعك من المحسوس إلى المطلق، من السياسي إلى الثقافي، من الديني إلى ما هو أبعد وأعمق تأثيراً على الوجدان والبدن، من التلمس والحيرة أمام واقعنا المبهم إلى الرؤية الثاقبة ….. من الشك واهتزاز اليقين بالثوابت جميعاً إلى النبوءة المذعورة والمخيفة في آن .
داهمنا الوقت سوياً يا محمود… لم تترك لنا متسعاً من وقت، يا الذي عشت أعظم عمرك خارج الوقت،ومع ذلك لم تبخل علينا أبدا فقد منحتنا عطاءً غزيراً ومنيراً سيظل يشكل لنا قيمة مضافة إلى أعمارنا المهدودة بالخيبات و الاتعاسات وأشلاء الأماني الموؤدة.
لك التحية والخلود والمجد يا رمزنا الكبير أيها المحمود فينا، و أغمس قلمك في فم الموت، ليعلم أنك لا زالت تكتب فينا. ونحن متأكدون أنك ستفضح عجزه أمام طاقاتك الهائلة التي أورثتنا إياها و القادرة على تحويل آلامنا بفقدانك إلى إبداع … ولهذا كغيري ممن نهلوا من مدرستك لن نبكيك … ولكننا حتماً سنشتاق إليك … و سيحمل الذين اعطيهتم كثيراً من نزف قلبك وفكرك " المشعل " ليتابعوا المسيرة والرسالة … وستظل يا محمود يا فكرتنا البكر باقياً فينا وفي أجيالنا القادمة …..